التأثيرات الضارة للأشعة فوق البنفسجية والضوء المرئي ( التأثيرات البيولوجية الحرارية غير الحرارية للموجات الدقيقة)
1-3 مقدمة
بات من المؤكد أنه رغم الفوائد الجمة للشرائح المختلفة من الموجات الكهرومغناطيسية إلا أن معظم هذه الشرائح تتميز بخصائص بيولوجية هدامة بالنسبة للانسان وللكائنات الحية عموماً. وسوف نحاول خلال الفقرات التالية التعرف على اخطار بعض شرائح هذه الموجات أما بالنسبة للموجات الكهرومغناطيسية عالية الطاقة المتمثلة في الأشعة السينية وإشعاعات جاما فسوف يرجا الحديث عن مخاطرها إلى الجزء الذي يتناول التعريف بالأشعة المؤينة ومخاطرها
3- التأثيرات الضارة للأشعة فوق البنفسجية والضوء المرئي
بات من المعروف من عصور طويلة أن تلحق الأذى بجلد الإنسان. فالتعرض الجرعات كبيرة من ضوء الشمس يمكن أن يؤدي إلى حدوث التهابات وحروق في الجلد قد يزول أثرها بعد فترة معينة وقد تبقى اثارها في صورة ندب دائمة في الجلد، ربما تتحول إلى إصابات سرطانية جلدية مختلفة.
ويعود التلف الحاصل في الجلد إلى امتصاص طبقة الجلد السطحية للطاقة الضوئية الساقطة عليه. وتتمثل الية تلف الجلد في المقام الأول في ارتفاع درجة حرارة الجزء المتعرض للضوء بفعل امتصاص الطاقة الضوئية وتحولها إلى حرارية. وعدم تبدد هذه الطاقة نظراً لضعف التوصيلية الحرارية للجلد. وتركز الحرارة بالتالي في الجزء المتعرض. وبدرجة أقل يمكن أن يتمثل التلف في حدوث بعض التفاعلات الكيموضوئية بفعل فوتونات الضوء في بعض الخلايا السطحية محدثة تغييراً محسوساً في الروابط الأيونية والجذور الحرة في هذه الخلايا ومؤدية بالتالي إلى تلفها .
وفي كلتا الحالتين سواء كانت آلية التلف في الخلايا ناتجة عن ارتفاع درجة حرارة الخلايا أو عن تكون جذور حرة بفعل التفاعلات الكيموضوئية ، يمكن أن تؤدي التغيرات الحادثة في الجلد إلى التهابات وحروق و احتمال تغير خصائصه، وتغير معدلات انقسام الخلايا ، وبالتالي إلى احتمال موت الخلية أو تحولها إلى خلية سرطانية.
ومنذ أوائل القرن العشرين، تم إجراء العديد الدراسات حول التأثيرات القاتلة للضوء المرئي على بعض أنواع البكتريا. وعلى شرائح هذا الضوء الأكثر فتكأ بالنسبة الأنواع مختلفة من هذه البكتريا. ولهذا الغرض استخدم الزجاج الملون لتمرير الضوء وحيد اللون لدراسة قدرته على الفتك بأنواع معينة من البكتريا. وقد تمخضت بعض هذه الدراسات عن انه بالنسبة للبكتريا العصوية والدرنية فإنه يكفي لقتلها تعريضها للضوء الأبيض أو للضوء المرشح وحيد اللون لفترة زمنية محددة. ويبين جدول (3-1) أزمنة التعرض للضوء الأبيض أو لمركباته التي تحدث التأثير القاتل للبكتريا العصوية.
جدول (3-1) أزمنة التعرض للضوء الأبيض أو لمركباته التي تحدث التأثير القاتل للبكتريا العصوية
وفي الوقت الحالي لا توجد دراسات كافية للحكم على طبيعة العلاقة بين احتمالات الإصابة بسرطانات الجلد وبين التعرض للضوء المرئي، سواء كان هذا التعرض من النوع الحاد أي الأشعة ضوئية كثيفة وخلال فترة زمنية قصيرة أو من النوع المزمن أي التعرض لأشعة ذات شدة منخفضة ولكن لفترات طويلة. إلا أنه يجب الإشارة إلى أن الدراسات والبحوث قد أثبت أن الأشعة فوق البنفسجية يمكن أن تؤدي إلى حدوث سرطان الجلد. وحتى الآن لم يتم تحديد شريحة الضوء فوق البنفسجي المسؤولة عن استحثاث السرطانات في الجلد بالدقة الكافية. ومع ذلك فقد أوضحت الشواهد التجريبية أنه حتى في غياب المواد ذات الحساسية الشديدة للضوء فإن شريحة الأشعة فوق البنفسجية التي تقع أطوال موجاتها بين 290-320 نانومتر تعتبر من الشرائح المستحة للسرطان .
كذلك، اثبتت الدراسات الأحيائية أن التعرض لضوء الشمس الذي يتضمن هذه الشريحة من الأطوال الموجبة للأشعة فوق البنفسجية يساهم بدرجة أكيدة في زيادة احتمال الإصابة بسرطان الجلد بما في ذلك سرطان الميلانوما الذي يعتبر شديد الخطورة ومن السرطانات الخبيثة.
وقد أكدت الدراسات أن معدل الإصابة بسرطانات الجلد يقل كثيراً في المناطق الباردة والمعتدلة المناخ، في حين يتزايد هذا المعدل بالاقتراب من المناطق الحارة.
فقد أوضحت هذه الدراسات إلى أن احتمال الإصابة بالسرطانات الجلدية نتيجة التعرض لأشعة الشمس بما فيها الأشعة فوق البنفسجية يتضاعف مرة كلما تم الانتقال نحو خط الاستواء بمقدار 8-10 درجات عرض. كذلك ينبغي التنويه إلى ان هناك انواعاً من الجلد تعتبر أكثر حساسية بالنسبة لاستحثاث السرطانات الجلدية ومنها الجلد الأبيض الذي يميز سكان المناطق الشمالية.
ومن نتائج التأثيرات البيولوجية الأخرى للأشعة وق البنفسجية استخدام هذه الأشعة لقتل بعض أنواع البكتريا. وقد أكدت البحوث والدراسات البيولوجية حول التاثيرات القاتلة للأشعة فوق البنفسجية أن شريحة الموجات التي يتراوح طولها بين 250 270 نانومتر تعتبر من أكثر الشرائح فتكاً بعدد من أنواع البكتريا كالجراثيم البوغية spores وغيرها.
وتوثر الحزم الكثيفة من الضوء المرئي، والأشعة البنفسجية تأثيراً سلبيا على كل من العدسة والشبكية في العين البشرية، ويمكن ان يصل إلى عتامة عدسة العين أو إلى حدوث تلف في الشبكية قد يؤدي إلى العمى الدائم. ويتمثل التأثير الضار للأشعة فوق البنفسجية وللحزام الكثيفة من الضوء المرئي إلى التسخين الذي تحدثه هذه الأشعة في العين. وسوف يرد الحديث في هذا الخصوص في الفقرات التالية عند تناول تأثيرات الموجات الدقيقة واشعة الليزر على العين .
3-3- التأثيرات البيولوجية للموجات الدقيقة
من المعروف أن الانسجة والاعضاء البشرية تتكون من خلايا بنائية مغمورة في سوائل بيولوجية وتتكون الخلايا عامة من جزيئات محددة وثابتة وغالباً ما تكون مستقطبة كهربائيا، بينما تتضمن السوائل البيولوجية أيونات من المناحل (Electrolytes) الذائبة والأيونات الجهرية ( الكبيرة الحجم). تحت تأثير المجالات الكهربائية عالية التردد التي تحملها الموجات الدقيقة عموماً تتأثر هذه الجزيئات القطبية والأيونات بقوى كهربائية يتناسب مقدارها مع كل من شدة المجال الكهربائي و الشحنة و التي يحملها الجزيء القطبي أو الايون وتؤدي هذه القوى المؤثرة على الأيونات إلى تحريكها. أي إلى سريان تيار كهربائي داخل النسيج الحي في حالة الأيونات الذائبة الأمر الذي يؤدي إلى تسخين إضافي للأنسجة بفعل الاهتزازات التي تحدثها هذه الجزيئات بسبب ترددات الموجات الدقيقة.
وبالنسبة لجميع أنواع الموجات الدقيقة سواء المستخدمة في الاتصالات بما فيها الهواتف المحمولة ( الجوالة) أو تللك المستخدمة للتسخين. فقد اتفق على أن كثيرا من التأثيرات الناتجة عنها هي تأثيرات حرارية وأن معظم تأثيراتها الضارة ترجع للأثر الحراري والتسخين. وعندما لا يرجع التأثير البيولوجي على الخلية أو النسيج أو العضو عموماً إلى التأثير الحراري يوصف هذا التأثير عندئذ بالتأثير غير الحراري .
1-3-3 التأثيرات الحرارية للموجات الدقيقة
تحدث التأثيرات الحرارية عموماً عندما يتجاوز التعرض الموجات الدقيقة حوالي 10 مللي واط / سم . وقد أثبتت البحوث والدراسات على حيوانات التجارب أن الموجات الدقيقة التي تتراوح تردداتها بين 200 إلى 24000 ميغاهيرتز تعتبر قاتلة إذا كان حاصل ضرب كل من كثافة التعرض لهذه الأشعة في زمن التعرض كافياً لرفع درجة حرارة النسيج أو العضو فوق درجة حرارة الاتزان مع الأعضاء المحيطة بأكثر من 5 درجات مئوية. فعلى سبيل المثال، فإن الفئران التي تعرضت لموجات دقيقة بتردد 3000 ميغاهيرتز، وبكثافة قدرة بلغت 300 مللي واط / سم 2 عانت من ارتفاع درجة حرارتها ما بين 8 إلى 10 درجات مئوية، وماتت جميعها بعد 15 دقيقة من التعرض لكثافة قدرة مقدارها 100 مللي واط / سم فقد ماتت الفئران بعد 25 دقيقة من التعرض بسبب ارتفاع درجة حرارتها بين 7،6 درجات.
ومن المعلوم أن الإنسان الذي لا يزاول جهداً بدنياً كبيراً يولد حرارة من عمليات التمثيل الحيوي بمعدل يبلغ حوالي 75 واط. أما الأنسان الذي يقوم بمجهود عضلي متوسط فيبلغ تولد الحرارة من التمثيل الحيوي فيه حوالي 300 واط وتتبدد هذه الحرارة في الهواء أو للبيئة المحيطة بالانسان عندما لا تتجاوز درجة حرارة هذه البيئة ونسبة الرطوبة فيها حدوداً معينة. فإذا تجاوزت درجة حرارة البيئة ونسبة الرطوبة فيها هذه الحدود انخفض معدل تبدد الحرارة وبالتالي ترتفع درجة حرارة جسم الانسان.
ويبلغ معدل تبدد الحرارة للبيئة المحيطة في الظروف البيئية المريحة من درجة الحرارة ونسبة الرطوبة حوالي 65 إلى 70 واط. وينبغي أن تخضع كمية الحرارة الممتصة في جسم الإنسان من الموجات الدقيقة للتبديد بنفس الأسلوب المذكور. وبعملية حسابية بسيطة وبفرض أن مساحة من جسم الإنسان المعياري ( كتلته 70 كيلوغراماً ( مقدارها 20.9 تتعرض لحزمة من الموجات الدقيقة بكثافة قدرة مقدارها 10 مللي واط / سم يكون معدل أبداع الطاقه في هذا الشخص هو 9000 سم 2 10103 90 واط أي ما يزيد قليلاً على الطاقة المتولدة عن عمليات التمثيل الغذائي في الأنسان الذي لا يزال جهداً بدنياً. فإذا لم تتوفر الظروف البيئية المواتية لتبديد هذه الحرارة أي الظروف المريحة)، أو إذا زاد معدل التعرض للموجات عن 10 مللي واط / سم لا تتبدد الحرارة وتبدأ درجة حرارة الجسم في الارتفاع .
إن معظم التأثيرات البيولوجية الضارة بالانسان من الموجات الدقيقة تعزى السخونة الفائقة التي تترتب عن تعرض أعضاء الجسم البشري لها. ويتضمن ذلك التلف الذي يحدث أساساً للعين والخصيتين من جراء التعرض لقدرات عالية من الموجات الدقيقة. فهذان العضوان البشريان يعتبران من الأعضاء التي يمكن أن تصاب ورغم عدم وجود دراسات كافية حول درجة الحرارة التي تبدأ عندها عتامة عدسة العين يفعل الموجات الدقيقة إلا أن معظم العلماء يعتبرون أن زيارة درجة حرارة العدسة إلى 45م وما فوقها يؤدي إلى إحداث العتامة.
أما بالنسبة للخصيتين فمن المعروف أنهما تتاثران تأثراً شديداً بدرجة الحرارة ورغم أن درجة حرارة الجسيم البشري العادية هي 37م إلا أن درجة حرارة الخصيتين تقل دائماً درجتين (أي أنها 35م في الظروف العادية ). وذلك نظر الوجودهما في كيس خارج الجسم البشري. وزيادة درجة حرارة الخصيتين إلى 37م يؤدي إلى انخفاض معدل إنتاج الحيوانات المنوية إلا أن هذا التأثير يعتبر أمر مؤقتاً. فبانخفاض درجة حرارة الخصيتين تعود لهما نفس القدرة السابقة على إنتاج الحيوانات المئوية بصورة عادية. وقد اثبتت البحوث على حيوانات التجارب أنه عند زيادة درجة حرارة الخصيتين عن حد معين تفقد الخصيتين قدرتهما على انتاج الحيوانات المنوية بصفة دائمة ويستحيل عندئذ العودة للأنتاج مهما خفضت درجة الحرارة .
2-3-3 التأثيرات غير الحرارية للموجات الدقيقة
بالنسبة للتأثيرات غير الحرارية للموجات الدقيقة بشرائحها الفرعية المختلفة فإن هذه التأثيرات مازالت غير مفهومة بالوضوح اللازم فقد اكتشفت العديد من التأثيرات غير الحرارية الضارة سواء على حيوانات التجارب أو على الأنسان . وأثبتت الدراسات والبحوث المختلفة أن التعرض لموجات دقيقة بكثافة قدرة تزيد على 10 مللي واط / سم يؤدي إلى عدد من التأثيرات غير الحرارية الضارة ويورد جدول (3-2) بعض النتائج التي توصلت اليها التقارير العلمية حول أهم التأثيرات غير الحرارية لهذه الموجات عند مستوى قدرة تزيد كثافتة على 10 مللي واط / سم 2 واعراضها وشواهدها .
وفضلاً عن ذلك، تين وجود بعض الاضطرابات التي تصيب العاملين وبأجهزة الموجات الدقيقة والمتعرضين لحزمها. ومن الأمراض التي تعود أسبابها للتعرض الحزمة هذه الموجات الدقيقة الصداع المؤقت والمزمن، والاجهاد المعروف بحسور العين والإرهاق والدوار (الدوحة)، والنوم القلق (المتقطع) والميل للنعاس أثناء العمل، والميل للكتابة والانطوائية، وحدة الطبع والعصبية، والشعور بالخوف والإصابة بوسواس المرض، والتوتر العصبي والوهن الذهني، وانخفاض القدرة على التركيز. وضعف الذاكرة، والشعور بالألم في فروة الرأس والحواجب، وآلام في العضلات، وآلام في القلب، وصعوبة في التنفس، وتعرق شديد في الأطراف وصعوبات في الحياة الجنسية.
وحاليا لا تتوفر بيانات كافية للحكم على احتمال استحثاث السرطانات بفعل شرائحالموجات الدقيقة وعلى مقدار هذا الاحتمال، إلا أن بعض الدراسات الأولية على حيوانات التجارب قد بينت أن التعرض لحزم كثيفة من الموجات الدقيقة قد يستحث بعض أنواع السرطانات في هذه الحيوانات، إلا أن هذه الدراسات والبحوث مازالت في اطوارها الأولى. كذلك، أكدت الدراسات المختبرية على الحيوانات المتعرضة الجرعات عالية نسبياً من الموجات الدقيقة حدوث تغيرات محسوسة في خصائص الموجات الدماغية، وحدوث تغييرات للحاجز الدموي للمخ blood-brain ban وحدوث تغييرات جوهرية على النفاذية خلال غشاء الخلية، وحدوث تغييرات في الدم وتأثيرات جينية وتأثيرات ملحوظة على النظام العصبي المركزي وعلى السلوك البشري، عموماً .
وتعود الأسباب في عدم القدرة على الحكم بدرجة كبيرة من الثقة على مخاطر الموجات الدقيقة إلى العجز الشديد والنقص الهائل في قياس جرعات التعرض لهذه الموجات، وإلى صعوبة فصل المجموعات البشرية الحرجة المتعرضة لهذا النوع من الأشعة عن المجموعات المرجعية التي لا تتعرض لها، وكذلك إلى استحالة فصل السرطانات المتولدة عن الموجات الدقيقة عن تلك المستحثة من أسباب أخرى. سوف يستمر هذا الأمر من عدم الجزم بالمخاطر الجسيمة للموجات الدقيقة حتى يتم ايجاد حلول لمشاكل قياس الجرعات من هذه الموجات، وإلى أن يتم الوصول العلاقة أكيدة بين الجرعة والأعراض بالدقة اللازمة، وإلى صورة استجابة واضحة بين الجرعة وتأثيرها، وبالتالي يمكن تحديد معامل المخاطر من هذه الموجات.
وإلى أن يتم حل جميع هذه المشاكل العلمية والتقنية، ينبغي توخي الحذر واتخاذ موقف أكثر تحفظا من هذه الموجات التي تأكدت مخاطرها على حيوانات التجارب. كما ينبغي اتخاذ مواقف شديدة التحفظ بالنسبة لصغار السن والمراهقين والشباب نظراً لأن الأعراض السرطانية نتيجة التعرض لهذه الموجات لا تظهر على المتعرض إلا بعد مرور فترة طويلة على التعرض قد تصل لعشرات قليلة من السنين.